in ,

إشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة

     إذاً.. هـا نحـن نتـصـدّى لـمـوضوعة قديمة قدم التاريخ ، طـرحت على المستويات كافة، الاجتصاديّة – منها – أو الثقافيّة والسياسيّة أو الميثولوجيّة، تـحــت عـنـوان إشـكـالـيـة العـلاقـة بـيـن الرجل والمرأة، بل إنّ البعض – إذ يخرج السـياسـيّ والـدولـتـي مـن ســيـاق المبحـث – يـزعـم بأنّ هذه العلاقة تلخّص تأريخ العـالم بأسره، لكنّنا سنعارض غير صوت ارتفع هنا أوهناك من مـوقـع المنتصـر لحقـوق المـرأة ، لا لأنّـنـا نـقـف فـي خـنـدق الافـتئـات على / أو التـعـارض مـع تلك الحـقوق، أي فـي الخندق المعادي، بل لأنّ تلك الأصوات احتكمت – بمجملها، عدا اسـتثناءات تـكـاد لا تذكـر- إلى وعي زائف ومُجتزأ، أي أنّ قصوراً ساس رؤيتهـا للمسألة، لقد كانت- في حساب الجنى أو فـــــي كشف الحساب – تتلبّث في واد آخر، ذلك أنّ شعار تحرير المرأة – بحسبنـا – إذ يُطلق بعيداً عن تحـريـر المجتمـع ، إنّمـا سـيتبـدّى عـن شعار وهميّ، يفضي بنا إلى معارك تستنزف طاقات الأطراف جميعاً، بيد أنّها وعلى نحو أكيد لن تحقـق أهـدافهـا فـي تـحـريـر المـرأة ، ربّـما لأنّها تخطئ المرمى إذ تـرى في الرجل خصماً لا لشيء إلاّ لأنّـه رجـل، على هذا هي تتوهّم الخصم، لكنّها عاجزة عن تحديده بشكل صحيح، لوقوعها في فخّ الاجتزاء

     عـوداً على بدء قد نرجع إلى البدايات، لننوّه بأنّ المرأة إنّما هي كائن إنسانيّ ، مثلها في ذلك مثل الـرجـل، وذلـك فـي إطـار المـواطـنـة والقـانـون ، هـذا فـي الـراهـن ، وأنّ العـلاقة بينهما – في أفقها الخـاص – تـتحـدّد بعقـد رضائيّ يفترض الشراكة والمسـاواة، هذا إذا غضضنا النظر عـن الأدوار أو المـهـمـات المناطة بها في مراحل أو حالاتُ محدّدة، تلـك التي جبّت التعامل معها كإنسان له الحق في الاخـتيـار، وبـالتـالي الحق في التمرّد لتغيير هذه الصيغة، على هـذا فإنّـنـا نقـول بـأنّ تـمييـزهـا عـبـر التخصيص إنّمـا هو بداية الوقوع في الفخّ، وإذاً فهو – لاحقاً – بداية لمعالجة خاطئة، ذلك أنّ المُقدّمات الخاطئة ستقودنا إلى نتائج خاطئة بالضرورة..ـ

    تـأسـيساً علـى ما تقدّم قـد نتسـاءل عمّـا إذا كـان ثـمّـة حـاجـة لأن نتـذكّـر بأنّنا – في قراءتنا هذه – نـذهــب نحـو المُجتمعـات المُخلفـة ، تـلـك التـي ننتـمـي إليهـا، لنـقـول بـأنّ الـمرأة تعاني فـيهـا القمع، وذلـــك بـاعتبارها أنثى ليس إلاّ ، أي أنّها تخضع لقمع مزدوج، قمع بما هي مواطن – في بلدان تغيب عـنـهــا صيغة العقد الاجتماعيّ، لتحتكم علاقة الحاكم بالمـحكـوم إلـى الاستبداد المُشـرعن – وآخر بما هــــي أنثى، ربّمـا لأنّ مثـل هـذه المـجتـمــعـات تتّـســم بـقمـع متدرّج، ما يفسّر المرتبة الدونـيّـة التـي تنحدر إليهـا ، ثمّ إنّهـا – أي تلك المجتمعات – ترزح تحت نـيـر إرث ثـقيـل وضـاغـط يسـهـم في تمام الصورة المرمدة ، نـيـر يـجتمع فيه الميثولوجيّ بالعرف والعادة والفلسفة وعلم الاجتماع، أي منظومـة هـنيّـة طـوّرتهـا تـلـك المُـجتـمعــات ، ثـمّ أضـحـت أسـيـرة لـهـا ، لهـذا فـإن الأنثى – فـيهـا –  ضـحـيـة اضـطـهـاديـن ، اضـطـهـاد اجتمـاعـيّ وآخـر اقـتصـاديّ، في حـيـن قـطـعـت المـرأة فـي المـجتمـعـات الأخـرى – الأكـثر تقدّماً – أشواطاً نحو التحصّل على حقوقها .. ـ

    وللتـوضـيـح تعـالـوا نتذكّر بأنّ عمل المرأة الريفيّة غير قابل للقيـاس الموضوعيّ، فهي تسهم في الاقـتـصـاد الـزراعـيّ ، نـاهـيـك عـن قـيـامهـا بـأعـبـاء الـمـنـزل، ذلـك لأنّـنـا إزاء دارة اقـتـصـاديـة مُـغلـقـة ، عـلـى هـذا فهي تصنّف – خـطأ – في خانـة العطـالة، وتتوضّع – من ثمّ – في خانة الدونية، لتضـحـي – فـي المـجـتـبتى – أداة للـمتعـة فـي السـريـر، عـلى هـذا فـهـي وعـاءً لـحفـظ النـوع عـبـر دورهــا فـي عملـيـة الإنجاب، وبالتأكيد فهي طباخة أيضاً، لكنّها مع ذلك أكثر استقلالاً من المرأة في المدينة، ذلك أنّ الدارة الاقتصـاديـة – هنـا – تغـدو أكثـر انفتـاحـاً ، فـإذا لم تشارك الأخيرة في عمـليّة الإنتـاج المُباشر خارج المنزل تصنّفت – هي الأخرى – في خانة العطالة، مـا يـوقـع بهـا حيفاً وجوراً كـبيـريـن، نـاهـيـك عن أنّها – رغم مشاركتها في العملية الإنتاجية – ضحية للاضطهاد بسبب عوامل واعتبارات عديدة ، تتحدّد فيها الواجبات بعيداً عن الحقوق في ظلّ مجتمع ذكوريّ، ذلك أنّ العلاقات السـائـدة ، نـاهيـك عن المنظومـة الـذهنـيـة المـحكومة بالقسر الاجتماعيّ، ممسوسة بموروث تراتبيّ صــارم ، لـم تخــرج – فــي رسـمـهـا للـدور المنـاط بـالمـرأة – عـن صـيغـة الخـضـوع والامـتثـال ، عــلــى هـذا تـخـصّ العلاقات السائدة  المرأة بمكانة أدنى، أمّا التماثل والشراكة الحقيقية فلا نظنّها قد أدرجـت عـلى تـلـك المـنظـومـة بـعـد ، عـلـى نـحـو يـخـلّ بـشـروط الـعـقـد المُـبـرم بـينهمـا، والناظم لعلاقتهما، لكنّنا – هنا –  أمام سلطة الأمر الواقع.. ـ

     نـعـم .. لـقـد أنجـز الـرجـل هيمنته القطعية على المرأة بالتدريج، وذلك في معرض انتقال البشرية من المجتمع الأموي إلى الـمجـتمـع الأبـويّ البطريركي، أي من تشكيلات الجمع والالتقاط والصيد والرعي أو تربية الحيوان إلى الزراعة، أي إلـى المـجتمع الطبقيّ القائم على الملكية الخاصة، ناهيك عن تقسيم العمل، ولكنّه – في الحصيلة – ضيع على الطـرفـيـن سـؤال الحـب ، وبـالتالي سؤال السعادة، ولا نظنّ المقام يسمح باستعراض آليات الردّ – تلك التي لجأت المرأة إليها في دفاع غريزيّ عن الذات – تأسيساً على ميكانيزمات الدفاع اللاشعورية من تحوير أو إسقاط أو انزياح، ثمّ إنّ استعادة الماضي – في تفاصيله الدقيقة – قد لا تكون متاحة إلاّ إذا وضعنا الدراسة في صلب مقاصدنا، لهذا سنزعم بأنّ تحليلاً دقيقاً للأسباب فتلمّس الطريق إلى الحلّ كان في مرامينا بحدود، ولهذا وقفنا طويلاً باللوحة المؤسية ، شارحين تفاصيلها ما أمكن، مُتعللين بأنّ السـعادة مطلـب للإنسـان وغـايـة بـآن ، على هذا فهي تستحق منّا وقفة متأنيّة تتلبّث في خانة الضرورة .. ـ

    إنّ أيّ تجـزئـة لشـعـارات – قد تكون مُغرية تحت راية تحرير المرأة، أو الدفاع عن حقوقها – لن تنجز مهامها، إلاّ إذا وضـعت مواجهة المجتمع المُخلّف ككل هدفاً لها، لا سيما في تجمّعات تقتصر على النساء! الرجال والنساء معاً – إذاً – سـيحـرّران مجتمعهما، ذلك أنّ خصم المرأة – وعلى نحو أكيد – لن يكون أباها أو أخاها، أي ليس الرجل بما هـو ذكـر، ذلـك أنّ الأب أو الأخ يتمـنيـان لها حياة سعيدة تنهض على الرفاه والحرية، بل إنّ المجتمع بقيمه وتقاليده وأغلاله هو الكابح لحراكهـا نحـو التحـصّـل علـى تلـك الحقوق، إذ ينكرها عليها، ليس في راهن كالح فحسب، بل عبر التاريخ، أي مذ كانت القوة العضلية رائـزاً في التقييم، كما في حـالـة الصـيـد والـرعيّ بحـدود ، لتتـرسّـخ في مجتـمع الزراعة، وصولاً إلى حاضر مزر في هذا الجانب، حاضر أضحت القوة الاقتصادية هي الرائز والغاية بآن .. ـ

     لهـذا سـنقرّ بأنّنا نعيش في ظلّ مجتمع ذكوريّ تراتبيّ، تحتل فيه المرأة مكانة أدنى، على نحو تترتّب فيه حـقـوق للـرجـل بمـا هـو ذكر على حسابها، تماماً كما سنقرّ بأنّ عدداً كبيراً من الرجال يتشبثون بتلك التراتبية الصارمة والفظة، يسـوطهـم فـي ذلـك قسـر اجتمـاعيّ ضاغط، ذلك إنّنا إذ ننشئ منظومة ذهنية، على المُستوى الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ والميثـولـوجيّ والثقافيّ والحقوقيّ، سنفاجأ بأنّنا أضحينا أسرى لها كما نوّهنا، ويضحي تجاوزها مُشْكِلاً .. ـ

     مع الرأسمالية – التي تعوّل كثيراً على تسييد نمط استهلاكـيّ لا يشـبـع – ستغدو المرأة – أكثر فأكثر – وعاءً للجنس وسلعة، وذلك عبر الدعاية والإعلان، لكنّنا – بالمقابـل ، علـى الطـريق إلى مجتمع مُؤنسن.. مـجتمـع أكثـر عـدلاً – سنتلمّس قصور الحركة النسائية، قصورها في تحقيـق مكتـسـبـات عـلـى الأرض، وقصـورها فـي الاسـتمـرار رغـم الزخـم ، إذ أنّـهـا حيـن راحت المُجتمعات تقسّم جنسياً تجاهلت علاقات الاستغلال والقمع التي تطال الطرفين، أو لم تدركه بوضوح، فهل ثمّة حاجة لأن نذكّر بأنّنا إزاء قمع هرميّ يوقعه الرجل بالمرأة، بل أنّه يتجاوزهما، ليقع من قِبلهـمـا علـى الحيـوان وعلى الملكية العامة أو الطبيعة، خارج الملكية الخاصة طبعاً .. هو سلوك رافض إذاً، هذا أكيد، ولكنّه سـلـوك أعـمـى ، بهـذا المعـنى فإنّ الحركات النسائية – في معظمها – إنّما هي ثورات عمياء، ذلك أنّها تعبّر بلا شـكّ عن الرغبة في التحرّر، بل تضـحّـي إن تطلب الأمر التضـحية وبلا تردّد، لكنّ تلك التضحيات – إن وقفنا بالحصيلة – تذهب هباء، لأنّها لا تتـذهّـن بـأنّ المـرأة محكـومة بالمجتمع قوة واتجاهاً ووعياً، في حين أنّ الوعي إضافة إلى التنظيم وتحديد سلم الأولويات – بصورة دقيقة – سيحدّد الهدف بصورة سليمة، ويحشد القوى لتحقيق هذا الهدف..ـ

     فإذا تبادر السؤال إلى المخيّلة في مشروعية، أنَّ كيف للمرأة أن تتحصّل على حقوقها إذاً ؟.. سنجيب بلا تردّد : أن تشارك في الإنتاج الفعليّ، أي إنتاج الخيرات المادية للمجتمع، إنّ المرأة إذ تسهم في الدورة الإنتاجيـة تفرض على الآخرين أن ينظروا إليها على نحو مختلف، لأنّ إسهامها في توليد الدخل يرتب لها حقوقاً، تماماً كما يفرض عليها واجبات، هذا أولاً، وأن تسعى إلى الاستقلالية في المقام الثاني، و لا نظنّها بقـادرة عـلـى هـذا بعيداً عن مشاركتها في الإنتاج، أي ألاّ تكـون مُهدّدة بالحرمان من لقمة الخبز، ما يعني بأنّ الشرطـيـن متـلازمـان بالضرورة، ولا نظنّه إلاّ مطلبـاً أزف أوانه، ويجب أن تكافح للتحصّل عليه بلا هوادة أو كلل، ثمّ أن يتسـاوق وعيهـا مع حركة المجتمع في انسـجام، ما يجنّبها – بالتالي – الحيف والجور، ويحشد ما يمكن من قوى على طريق تحرّرها، الذي يعدّ كسباً للمجتمع في الحصيلة النهائية، على هذا هي مطالبة بأن تشتغل مع الرجل يداً بـيـد عـلـى ردم الفـوات، على تحرير مجتمعهما، إذ ذاك – وإذ ذاك فقط – سنزعم بأنّها وضعت قدميها على الطريق للتحصّل عـلـى حقوقها المشرعنة – قانوناً – وغير المشرعنة من تعاطف ورأفة وحب، من غير أن ندّعي تفاؤلاً ليس له سـنـد في الواقع، فنذهب إلى أنّ الدرب مُمهّدة مثلاً، أو أنّها ليست محفوفة بمعيقات ما أنزل الله بها من سلطان، لتضع –  من ثمّ – في الحسبان أنّ الطريق أمامها طويلة لا تزال، وأنّها تتطلب صبراً وتصميماً ليس لهما حدود .. ـ

     ــ بقي أن نعرّج – في عجالة – على الكتابة النسوية، تلك التي اصطلح عليها بالـ

< femineste >

لـنقـف بقصـور الخطـاب فيهـا، وذلك في المستويات كافة، ابتداءً باختيار الموضوعات، فتحديد محاورها، وانتهاءً بطريقة تناولها ، ثمّ إنّ الـبعض سيعمد إلى قياس حضورها عبر الحجم الذي تحتله في هذه الكتابة، لا بطبيعة الدور الذي تلعبه، لماذا؟.. لأنّ المرأة وقعت ضحية تزوير لدورها، فانشغلت بخصوصيات زائفة غالباً .. للمرأة همومها الخاصة، هذا مُؤكّد، ونحن نقرّها عليها، لكنّ الرجل زوّر تلك الهموم إذ عرضها من الخارج، فإذا تحقق للمرأة حقوقها أو بعض حقوقها، ترتّب عليها كسر احتكار الرجل للموضوعات الكبرى، كالكون والحياة والأسئلة الفلسفيّة، تلك التي اختصّ بها، وذلك لتشمل دائرة همومها العام – بما هي مواطن – إلى جانب الخاص، خاص يحيلنا إلى خانة الخصوصيّة لا إلى خانة الاختلاف الجنسيّ، وذلك بما يُعبّر عن أحاسيسها، أو عن طبيعة الحيف الذي وقع عليها .. ـ

    لقـد أزف الوقت لكي ندير ظهورنا للبطولة الفردية، وللنظرة في البطولة ذاتها، فهي – أي البطولة – لا تتـحدّد بالمساحة التي تحتلها الشخصية في العمل، بل بالفعل الذي تنجزه، ناهيك عن الأثر الذي تتركه في نفـس القـارئ ، بهـدف تغيـير مـوقـفـه مـن ظاهرة ما، فإذا أردنا اختصار المسألة في وقوف بالجوهري لا العارض، سنزعم بأنّ البطل هو الشخص الضـروري في الوقت المناسب.. هل نذهب – في إيغال لا داعي له – إلى أنّ صمته في اللحظة المناسبة – وفي بعض الأحيان غيابه – أكثر جدوى من حضوره المجانيّ ؟.. على هذا سيثرى المشهد بكتابة تتحصّل على شـرطي نجاحها، هذا لا يحجب عنها الكتابة في الخاص، لكنّه لا يحرمها من الكتابة في العام، ما قد يقتضي الإشارة أو التذكير .. ـ

محمد باقي محمد

كتب بواسطة فضاءات

ما هو تقييمك؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

٣٦٠ يوماً

المعبد الأول