in ,

هل تمارس السرقة الخفية

أكـثـر السـيـر الـتـي كـان أبـي يـفـضـل ســردهـا هـي سـيـر الأتـقـيـاء والـصـالـحـيـن ، ورغـم أنّـنـا كـنـا حـيـنـهـا صـغـاراً ونـجـد هـذه الـسـيـَر مـمـلـة أحـيـانـاً أو ثـقـيـلـة عـلى الـسـمـع ، ولـكـن بـعـضـهـا كــان ذي قـيـمـة كـبـيـرة، لـم تـدركـهـا عـقـولـنـا الـصـغـيـرة إلا مـتـأخـرة .
ـ إحـدى الـحـكـايـات كـانـت عـن شـيـخ تـقـي فـي جـبـال الـشـوف فـي لـبـنـان ، كان يملك محلاً تجارياً ؛ أيـام كـانـت البـضـائـع تـبـاع بـالقـروش ، مـرَّ عـلـيـه أحـدهـم فـوجـده يـبيـع حبوب العدس ، وقد وضعها في كيـســين مختـلفـيـن ، أحـدهـمـا بـعـشـــرة قــروش والآخـر بخـمـسـة وعـشـريـن قـرشــاً ، فـســألـه : ” لـمـاذا تـبـيـع كـل نـوع بـسـعـر رغـم أنّ الأغـلى لـيــس أفـضـل عـلى مـا يـبـدو ” . فـقــال لـه : “لأنـي اشـتـريـت أحـدهمـا بثمـانيـة والآخر بعشـرين ” ، فسـألـه : “ولم لا تبيعهما بذات السعر ، ومن يدري بكم اشـتـريـت كـلاً منهماً !؟ . فنظـر إليـه الشـيخ باسـتغراب وقال له لو كنت تدرك حقاً لما سألت هذا السؤال .
ويحكى أنّ هذا الشيخ الذي كان معروفاً بتقـاه, عندما تمت سرقة محله لاحقاً قال قـولاً ينمُّ عن إيمان صحيح راسخ: “لو كان هذا العمل يمضي بلا شبهة لما قدر له أن يسرق”، ثم ترك التجارة كلها
فأين تجار اليوم من هذا ؟؟
ـ بـعـيـداً عـن الـفـتـاوى الـديـنـيَّـة وكـلِّ الأفـكـار عـن الـعـقـوبـات فـي الآخـرة ، الـحـكـمـة هـي أن تـفـعل الـشـيء الـذي تـعـتـقـده صـحـيـحـاً فـي أعـمـاقـك ، حـتـى ولـو كـان مـحـيـطـك كـلـه خـاطـئ ، لأنَّك بهذه الـحـالـة فـقـط سـتـكـون مـنـسـجـمـاً مـع نـفـسـك فـي الـحـيـاة بـعـيـداً عـن الـقـلـق مـن الـعـواقـب.
نـسـمـع هـنـا وهـنـاك عـن تـاجـر يـحـتـكـر مـادة لـيـبـيـعـهـا بـعـد قـلـيـل بـربـح هـائـل ولا يـبـالـي بالخلل الـذي يـسـبـبـه فـي الـسـوق ولا بـالـشـاري الـذي سـيـقـضـي سـاعـات لـيـجـد مـا يـريـد ، أو سـيـنفق قيمة أعـلى بـكـثـيـر مـمـا كـان بـالـحـسـبـان ، وعـن أطـبـاء يـقـنـعـون الـمرضى بإجراء عمليات لا يحتاجونها لـمـجـرد تـحـقـيـق الـربـح فـي الـمـشـفـى ، غـيـر مـبـالـيـن بـالألـم والـمـال والـضـغـط الـذي ســـيـحـدث مـع المـريض وعائلته ، أو عن محامي يدافـع عـن قـضـيـة فـيـهـا جـور عـلـى أحـدهـم باستعمال حيل قانونية صحيحة ظاهرياً ،و يرفضها في أعماقه لأنه يعرف أنها ظلم أو سرقـة أو أية تسمية ، أو صاحب مؤسسة يـركـز في نجـاحـه عـلى تخـريـب عـمـل المنـافسـين حتـى يبقـى وحـده في السـاحة ، فينجح و,لكن لأسباب خاطئة
كلمة حرام قاسية وقد تبدو كالشعارات التي تتم تصفيتها يوماً بعد يوم ولكن لو وقفت قليلاً لتفكر: ليـس المقصـود أن تشـتغـل بالمعـاييـر العـالـيـة الـمـبـالـغ فـيهـا ، ولا أن تـقـضـي عـمـرك خـائـفـاً مـن نـار جهنم الأمـر أبـسـط مـن ذلـك بـكـثـيـر أن تـلـك الـراحـة الآتـيـة مـن فـكـرة أنّـك أديـت أعـمــالـك كـمــا يـنـبـغـي وبـالطـريـقـة الصـحـيـحـة دون التـركيـز علـى النتيجـة النـهـائـيـة مـن نـجاح أو أرباح ، هنا سيحدث شيء يدعوه البعض بالبركة وربما له تسميات أخرى فقد يصبح مبلغاً صغيـراً في يـدك يكفـي لأشياء وأشياء ،أو تتلقى دعم كبير كان سيكلفك الكثير من المال لو لم تتلقاه ، وقـد تبـتعـد الأمـراض عنـك وعن عائلتك مثلاً .
ـ الحـرام لـيـس جـنـة ونـار وخـوف مـن عـذاب الـقـبـر ، الـحـرام طـاقـة سـامّـة قـويّـة تـخـبـرك أنَّ شـيـئـاً مـا فـي حـيـاتـك لـيــس صـحـيـحـاً ، إنَّـه الـشـــعـور الـخـفـي بـالـذنـب الـذي يـســلـب هـدوء الـبــال
هـذه الـطـاقـة ســتـنـعـكــس عـلـى الـكـثـيـر مـن جـوانـب حـيــاتــك وتـجـعـل الأشــيـاء غـيـر صـحـيـحـة بـشـكـل مـا لـكـلٍّ حـســب تـفـاصـيـل حـيـاتـه ولـكـلٍّ عـلـى طـريـقـتـه ذاتـهـا
آمال عبد الصمد

كتب بواسطة فضاءات

ما هو تقييمك؟

التعليقات

Leave a Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

التاريخ والدراما ٣ جندرة عربية

سعدي يوسف مهندس القصيدة العربية الحديثة

سعدي يوسف مُهندس القصيدة العربية الحديثة .. وداعاً